سورة آل عمران مع التفسير
مدنية · ٢٠٠ آية · الآيات ١٦١ - ١٧٠
وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الآية ١٦١تفسير الآية ١٦١الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ . فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال: ﴿ وما كان لنبي أن يغل ﴾ أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أي: يأت به حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به يوم القيامة، ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة. لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:161المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
الآية ١٦٢تفسير الآية ١٦٢يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله. ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ﴾ ولهذا قال هنا: ﴿ هم درجات عند الله ﴾ أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم. فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:162المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ
الآية ١٦٣تفسير الآية ١٦٣﴿ هم درجات عند الله ﴾ أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم. فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:163المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ
الآية ١٦٤تفسير الآية ١٦٤هذه المنة التي امتن الله بها على عباده، أكبر النعم، بل أصلها، وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، فقال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ﴾ يعرفون نسبه، وحاله، ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ناصحا لهم، مشفقا عليهم، يتلو عليهم آيات الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها. ﴿ ويزكيهم ﴾ من الشرك، والمعاصي، والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق. و ﴿ يعلمهم الكتاب ﴾ إما جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ﴾ المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب -هنا- الكتابة، فيكون قد امتن عليهم، بتعليم الكتاب والكتابة، التي بها تدرك العلوم وتحفظ، ﴿ والحكمة ﴾ هي: السنة، التي هي شقيقة القرآن، أو وضع الأشياء مواضعها، ومعرفة أسرار الشريعة. فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين، ﴿ وإن كانوا من قبل ﴾ بعثة هذا الرسول ﴿ لفي ضلال مبين ﴾ لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما زين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:164المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
الآية ١٦٥تفسير الآية ١٦٥هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم "أحد" وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم ﴿ قد أصبتم ﴾ من المشركين ﴿ مثليها ﴾ يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإنَّ قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. ﴿ قلتم أنى هذا ﴾ أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية. ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم. ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ﴾
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:165المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
الآية ١٦٦تفسير الآية ١٦٦ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في \ "أحد\" من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:166المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
الآية ١٦٧تفسير الآية ١٦٧وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن ﴿ قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴾ أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر، يروج على المؤمنين، قال تعالى: ﴿ هم للكفر يومئذ ﴾ أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين ﴿ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم. ومنه قولهم: ﴿ لو نعلم قتالا لاتبعناكم ﴾ فإنهم قد علموا وقوع القتال. ويستدل بهذه الآية على قاعدة \ "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما\" ؛ [لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان] ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيبديه لعباده المؤمنين، ويعاقبهم عليه.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:167المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
الآية ١٦٨تفسير الآية ١٦٨: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره، قال الله ردًّا عليهم: ﴿ قل فادرءوا ﴾ أي: ادفعوا ﴿ عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:168المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
الآية ١٦٩تفسير الآية ١٦٩هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما منَّ الله عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ﴾ أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله ﴿ أمواتا ﴾ أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. ﴿ بل ﴾ قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم ﴿ أحياء عند ربهم ﴾ في دار كرامته. ولفظ: ﴿ عند ربهم ﴾ يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، ﴿ يرزقون ﴾ من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:169المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الآية ١٧٠تفسير الآية ١٧٠﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا ﴿ يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 3:170المصدر: QUL (Quranic Universal Library)