سورة غافر مع التفسير
مكية · ٨٥ آية · الآيات ١١ - ٢٠
قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ
الآية ١١تفسير الآية ١١فتمنوا الرجوع و ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ يريدون الموتة الأولى وما بين النفختين على ما قيل أو العدم المحض قبل إيجادهم، ثم أماتهم بعدما أوجدهم، ﴿ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ الحياة الدنيا والحياة الأخرى، ﴿ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ أي: تحسروا وقالوا ذلك، فلم يفد ولم ينجع، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:11المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ
الآية ١٢تفسير الآية ١٢﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ ﴾ أي: إذا دعي لتوحيده، وإخلاص العمل له، ونهي عن الشرك به ﴿ كَفَرْتُمْ ﴾ به واشمأزت لذلك قلوبكم ونفرتم غاية النفور. ﴿ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ أي: هذا الذي أنزلكم هذ المنزل وبوأكم هذا المقيل والمحل، أنكم تكفرون بالإيمان، وتؤمنون بالكفر، ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة، وتكرهون ما هو خير وصلاح في الدنيا والآخرة.تؤثرون سبب الشقاوة والذل والغضب وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ ﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ العلي: الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر ومن علو قدره، كمال عدله تعالى، وأنه يضع الأشياء مواضعها، ولا يساوي بين المتقين والفجار. ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ الذي له الكبرياء والعظمة والمجد، في أسمائه وصفاته وأفعاله المتنزه عن كل آفة وعيب ونقص، فإذا كان الحكم له تعالى، وقد حكم عليكم بالخلود الدائم، فحكمه لا يغير ولا يبدل.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:12المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ
الآية ١٣تفسير الآية ١٣يذكر تعالى نعمه العظيمة على عباده، بتبيين الحق من الباطل، بما يُرِي عباده من آياته النفسية والآفاقية والقرآنية، الدالة على كل مطلوب مقصود، الموضحة للهدى من الضلال، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها والمتأمل لها أدنى شك في معرفة الحقائق، وهذا من أكبر نعمه على عباده، حيث لم يُبْقِ الحق مشتبهًا ولا الصواب ملتبسًا، بل نوَّع الدلالات ووضح الآيات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وكلما كانت المسائل أجل وأكبر، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر، فانظر إلى التوحيد لما كانت مسألته من أكبر المسائل، بل أكبرها، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية وتنوعت، وضرب الله لها الأمثال وأكثر لها من الاستدلال، ولهذا ذكرها في هذا الموضع، ونبه على جملة من أدلتها فقال: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ولما ذكر أنه يُرِي عباده آياته، نبه على آية عظيمة فقال: ﴿ وينزل لكم من السماء رزقا ﴾ أي: مطرًا به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم، وذلك يدل على أن النعم كلها منه، فمنه نعم الدين، وهي المسائل الدينية والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها. والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث، الذي تحيا به البلاد والعباد. وهذا يدل دلالة قاطعة أنه وحده هو المعبود، الذي يتعين إخلاص الدين له، كما أنه -وحده- المنعم. ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ بالآيات حين يذكر بها ﴿ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾ إلى الله تعالى، بالإقبال على محبته وخشيته وطاعته والتضرع إليه، فهذا الذي ينتفع بالآيات، وتصير رحمة في حقه، ويزداد بها بصيرة.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:13المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ
الآية ١٤تفسير الآية ١٤ولما كانت الآيات تثمر التذكر، والتذكر يوجب الإخلاص للّه، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، والإخلاص معناه: تخليص القصد للّه تعالى في جميع العبادات الواجبه والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا للّه تعالى في كل ما تدينونه به وتتقربون به إليه. ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ لذلك، فلا تبالوا بهم، ولا يثنكم ذلك عن دينكم، ولا تأخذكم بالله لومة لائم، فإن الكافرين يكرهون الإخلاص لله وحده غاية الكراهة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:14المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ
الآية ١٥تفسير الآية ١٥ثم ذكر من جلاله وكماله ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال: ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ﴾ أي: العلي الأعلى، الذي استوى على العرش واختص به، وارتفعت درجاته ارتفاعًا باين به مخلوقاته، وارتفع به قدره، وجلت أوصافه، وتعالت ذاته، أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر المطهر، وهو الإخلاص، الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه ويجعلهم فوق خلقه، ثم ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي، فقال: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ ﴾ أي: الوحي الذي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش، فالروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا يفلح، فهو تعالى ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ الذي فيه نفع العباد ومصلحتهم. ﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وهم الرسل الذين فضلهم الله واختصهم الله لوحيه ودعوة عباده.والفائدة في إرسال الرسل، هو تحصيل سعادة العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وإزالة الشقاوة عنهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولهذا قال: ﴿ لِيُنْذِرَ ﴾ من ألقى الله إليه الوحي ﴿ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ أي: يخوف العباد بذلك، ويحثهم على الاستعداد له بالأسباب المنجية مما يكون فيه.وسماه ﴿ يوم التلاق ﴾ لأنه يلتقي فيه الخالق والمخلوق والمخلوقون بعضهم مع بعض، والعاملون وأعمالهم وجزاؤهم.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:15المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ
الآية ١٦تفسير الآية ١٦﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ﴾ أي: ظاهرون على الأرض، قد اجتمعوا في صعيد واحد لا عوج ولا أمت فيه، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. ﴿ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾ لا من ذواتهم ولا من أعمالهم، ولا من جزاء تلك الأعمال. ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾ أي: من هو المالك لذلك اليوم العظيم الجامع للأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، الذي انقطعت فيه الشركة في الملك، وتقطعت الأسباب، ولم يبق إلا الأعمال الصالحة أو السيئة؟ الملك ﴿ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء منها بوجه من الوجوه. ﴿ الْقَهَّارِ ﴾ لجميع المخلوقات، الذي دانت له المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصًا في ذلك اليوم الذي عنت فيه الوجوه للحي القيوم، يومئذ لا تَكَلَّمُ نفس إلا بإذنه.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:16المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
الآية ١٧تفسير الآية ١٧﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ في الدنيا، من خير وشر، قليل وكثير. ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ على أحد، بزيادة في سيئاته، أو نقص من حسناته. ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ أي: لا تستبطئوا ذلك اليوم فإنه آت، وكل آت قريب. وهو أيضا سريع المحاسبة لعباده يوم القيامة، لإحاطة علمه وكمال قدرته.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:17المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ
الآية ١٨تفسير الآية ١٨يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ﴾ أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، ﴿ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ﴾ أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة. ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي: قريب ولا صاحب، ﴿ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:18المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ
الآية ١٩تفسير الآية ١٩﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾ وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، ﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ مما لم يبينه العبد لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:19المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
الآية ٢٠تفسير الآية ٢٠﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ﴾ لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علمًا وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئًا كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه. ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله ﴿ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾ لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. ﴿ الْبَصِيرُ ﴾ بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون.قال في أول هاتين الآيتين ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ﴾ ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 40:20المصدر: QUL (Quranic Universal Library)