سورة الفتح مع التفسير
مدنية · ٢٩ آية · الآيات ١١ - ٢٠
سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۢا
الآية ١١تفسير الآية ١١يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ فإن طلبهم الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:11المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًۢا بُورًا
الآية ١٢تفسير الآية ١٢فظنوا ﴿ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ﴾ أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران: أحدها: أنهم كانوا ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:12المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ سَعِيرًا
الآية ١٣تفسير الآية ١٣الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، ﴿ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ﴾
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:13المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
الآية ١٤تفسير الآية ١٤أي: هو تعالى المنفرد بملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما يشاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، ولهذا ذكر حكم الجزاء المرتب على الأحكام الشرعية، فقال: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ وهو من قام بما أمره الله به ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ممن تهاون بأمر الله، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أي: وصفه اللازم الذي لا ينفك عنه المغفرة والرحمة، فلا يزال في جميع الأوقات يغفر للمذنبين، ويتجاوز عن الخطائين، ويتقبل توبة التائبين، وينزل خيره المدرار، آناء الليل والنهار.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:14المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا
الآية ١٥تفسير الآية ١٥لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم، ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها ليأخذوها، طلبوا منهم الصحبة والمشاركة، ويقولون: ﴿ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ ﴾ بذلك ﴿ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ﴾ حيث حكم بعقوبتهم، واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم، شرعا وقدرا. ﴿ قُلْ ﴾ لهم ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم، وبما تركتم القتال أول مرة. ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مجيبين لهذا الكلام، الذي منعوا به عن الخروج: ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾ على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، ولو فهموا رشدهم، لعلموا أن حرمانهم بسبب عصيانهم، وأن المعاصي لها عقوبات دنيوية ودينية، ولهذا قال: ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:15المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
الآية ١٦تفسير الآية ١٦لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، ﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا ﴾ الداعي لكم إلى قتال هؤلاء ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:16المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا
الآية ١٧تفسير الآية ١٧ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع. ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ ﴾ عن طاعة الله ورسوله ﴿ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:17المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
الآية ١٨تفسير الآية ١٨يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها "بيعة الرضوان" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الإيمان، ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:18المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
الآية ١٩تفسير الآية ١٩﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:19المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا
الآية ٢٠تفسير الآية ٢٠﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾ وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ﴾ أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، ﴿ و ﴾ احمدوا الله إذ ﴿ كف أَيْدِي النَّاسِ ﴾ القادرين على قتالكم، الحريصين عليه ﴿ عَنْكُمْ ﴾ فهي نعمة، وتخفيف عنكم. ﴿ وَلِتَكُونَ ﴾ هذه الغنيمة ﴿ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ بما يقيض لكم من الأسباب ﴿ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ من العلم والإيمان والعمل.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 48:20المصدر: QUL (Quranic Universal Library)