تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُّورِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
قَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَير بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا -أَوْ قِرَاءَةً-مِنْهُ.
أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ [صحيح البخاري برقم (٤٨٤٥) وصحيح مسلم برقم (٤٦٣) .] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَل، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ"، فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [صحيح البخاري برقم (٤٨٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٧٦) .] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * يُقْسِمُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّ عَذَابَهُ وَاقِعٌ بِأَعْدَائِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهُمْ. فَالطُّورُ هُوَ: الْجَبَلُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَشْجَارٌ، مِثْلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى، وَأُرْسِلَ مِنْهُ عِيسَى، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ لَا يُسَمَّى طُورًا، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: جَبَلٌ.
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ قِيلَ: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَقِيلَ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ جِهَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ . ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ -بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ-: "ثُمَّ رُفِعَ بِي [في م: "لي".] إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" يَعْنِي: يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ويطوفون، كما يَطُوفُ أَهْلُ الْأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ كَذَلِكَ ذَاكَ الْبَيْتُ، هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؛ وَلِهَذَا وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ؛ لِأَنَّهُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ أَهْلُهَا، وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ، وَالَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُقَالُ لَهُ: بَيْتُ الْعِزَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.