سورة التوبة مع التفسير
مدنية · ١٢٩ آية · الآيات ١٠١ - ١١٠
وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ
الآية ١٠١تفسير الآية ١٠١يقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ أيضًا منافقون ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا. ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما للّه في ذلك من الحكمة الباهرة. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة. ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن ، والكراهة لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار. ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:101المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الآية ١٠٢تفسير الآية ١٠٢يقول تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها. ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء، بأن يغفر اللّه لهم، فهؤلاء ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وتوبته على عبده نوعان: الأول: التوفيق للتوبة. والثاني: قبولها بعد وقوعها منهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. ﴿إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ . ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب. وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرًا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:102المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الآية ١٠٣تفسير الآية ١٠٣Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:103المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
الآية ١٠٤تفسير الآية ١٠٤أي: أما علموا سعة رحمة اللّه وعموم كرمه وأنه ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده، إذا تاب أعظم فرح يقدر. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ منهم أي: يقبلها، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ أي: كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه [المعصية] مرارا. ولا يمل اللّه من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم. ﴿الرَّحِيمِ﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:104المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
الآية ١٠٥تفسير الآية ١٠٥يقول تعالى: ﴿وَقُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين: ﴿اعْمَلُوا﴾ ما ترون من الأعمال، واستمروا على باطلكم، فلا تحسبوا أن ذلك، سيخفى. ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا بد أن يتبين عملكم ويتضح، ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، ففي هذا التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه. ويحتمل أن المعنى: أنكم مهما عملتم من خير أوشر، فإن اللّه مطلع عليكم، وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:105المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
الآية ١٠٦تفسير الآية ١٠٦أي: ﴿وَآخَرُونَ﴾ من المخلفين مؤخرون ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ففي هذا التخويف الشديد للمتخلفين، والحث لهم على التوبة والندم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال العباد ونياتهم ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، فإن اقتضت حكمته أن يغفر لهم ويتوب عليهم غفر لهم وتاب عليهم، وإن اقتضت حكمته أن يخذلهم ولا يوفقهم للتوبة، فعل ذلك.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:106المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
الآية ١٠٧تفسير الآية ١٠٧كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين للّه ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، ﴿وَإِرْصَادًا﴾ أي: إعدادا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إعانة للمحاربين للّه ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ في بنائنا إياه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فشهادة اللّه عليهم أصدق من حلفهم.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:107المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ
الآية ١٠٨تفسير الآية ١٠٨ ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظهر فيه الإسلام في "قباء" وهو مسجد "قباء" أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وتتعبد، وتذكر اللّه تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم اللّه بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث. ومن المعلوم أن من أحب شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد، مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة اللّه ورسوله. وسألهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:108المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
الآية ١٠٩تفسير الآية ١٠٩ثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ أي: على نية صالحة وإخلاص ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾ أي: على طرف ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ أي: بال، قد تداعى للانهدام، ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لما فيه مصالح دينهم ودنياهم.
Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:109المصدر: QUL (Quranic Universal Library)
لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
الآية ١١٠تفسير الآية ١١٠Tafseer Al SaadiAs-SaadiQuran 9:110المصدر: QUL (Quranic Universal Library)